أرست المحكمة الإدارية العليا في الطعن رقم (42637 لسنة 7 ق) بجلسة (28/12/2024) – وعلى هدي ما استقر عليه قضاؤها في الطعون أرقام (82823 لسنة 67 ق – 25/6/2022)، و(33461 لسنة 67 ق – 22/1/2022)، و(5286 لسنة 67 ق – 26/9/2021)، و(28797 لسنة 67 ق – 22/1/2022) – في شأن محو وشطب الأحكام الجنائية المسجلة بالحاسب الآلي بمصلحة الأمن العام، حكما وازنا رسخ ضوابط الاستبعاد في ضوء أحكام رد الاعتبار والكتاب الدوري رقم 30 لسنة 2017 الصادر عن مصلحة الأمن العام.
وقد استخلصت لكم من الحكم جملة من المبادئ التي أرستها المحكمة على التفصيل الآتي:
---
المبدأ الأول: انقضاء المدة مناط محو القيد الجنائي
لما كان الأصل أن القيد الجنائي إنما يقوم على سبب صحيح يبرره قانونا، فإن هذا السبب إذا تقادم عهده بانقضاء المدة المقررة بعد تنفيذ العقوبة تنفيذا كاملا، دنا من الزوال ورنا إلى العدم، حتى غدا بقاؤه أثرا بلا مؤثر.
وقد استقر القضاء على أنه يتعين محو المعلومات الجنائية حال صدور حكم بالإدانة بعد مرور ثلاث سنوات من تاريخ انتهاء تنفيذ العقوبة كاملة، إذ العبرة بانتهاء التنفيذ لا بتاريخ الحكم، في حين أن الإبقاء بعد مضيها يضحى افتئاتا على قرينة البراءة التي تعود حتى استوت وربت، كأن لم يسبقها ران إدانة.
---
المبدأ الثاني: الحكم مع إيقاف التنفيذ كأن لم يكن عند انقضاء مدته
أتراه يستقيم أن يظل القيد قائما وقد مضت مدة الإيقاف دون إلغاء أو صدور حكم جديد؟
قررت المحكمة أن الحكم الصادر بالحبس مع الإيقاف، متى انقضت مدته ولم يصدر خلالها حكم بإلغائه أو حكم بعقوبة سالبة للحرية تزيد على شهر، يصبح كأن لم يكن. فإذا كان الوقف درعا يدرأ أثر العقوبة، فإن مضي مدته دون نكوص يرفعها من أصلها، حتى غدت الإدانة شذر مذر لا تقوم لها قائمة في سجل أو صحيفة.
---
المبدأ الثالث: سقوط العقوبة بمضي المدة وأثره في الاستبعاد
إذا سقطت العقوبة بمضي المدة، فقد رام المشرع أن يطوي صفحتها بعد خمس سنوات من تاريخ السقوط، فلا يبقى في الصحائف أثر ولا في الحواسب خبر.
ذلك أن السقوط – وإن كان غير التنفيذ – إلا أنه في ميزان الأثر سواء، إذ ينحل به رابط الجزاء، ويغدو استمرار القيد بعد خمس سنوات افتقارا إلى السند، ورجوعا إلى ماض ران عليه التقادم.
---
المبدأ الرابع: استبعاد المسجل خطر بالشهرة بعد خمس سنوات دون اتهام
لما كان وصف “المسجل خطر” إنما يقوم على تتابع النشاط الإجرامي واستمراره، فإن انقطاع هذا النشاط خمس سنوات كاملة دون اتهام جديد، يقطع الوصف من جذوره.
فلا يستقيم أن يبقى المرء رهين وصف ران عليه زمن، وقد دنا من الاستقامة وثبتت براءته من جديد، إذ تتخذ إجراءات رفعه من عداد الخطرين، ويستبعد عقب رفعه، حتى يعود إلى أصل البراءة التي فطر عليها الإنسان.
---
المبدأ الخامس: سلطة القضاء الإداري في استبعاد ما لم يشمله الحكم
إذا أقام المدعي دعوى لمحو معلوماته، جاز – متى انطبقت الشروط – استبعاد القضايا المتبقية التي لم يشملها الحكم.
ذلك أن القضاء الإداري، وهو قضاء المشروعية، لا يقف عند ظاهر الطلب بل ينفذ إلى جوهره، في حين لا يجوز أن تبقى قيود متفرقة حتى غدت شذر مذر، إذا كان مناطها واحدا وسببها قد زال.
---
المبدأ السادس: رد الاعتبار – القضائي والقانوني – يمحو الحكم للمستقبل
مؤدى نصوص المادتين (537 و550) من قانون الإجراءات الجنائية أن رد الاعتبار، سواء كان قضائيا بحكم يصدر عن محكمة الجنايات، أو قانونيا بقوة القانون، يزيل حكم الإدانة بالنسبة إلى المستقبل، وينهي جميع آثاره الجنائية.
فإذا رد الاعتبار، عاد المحكوم عليه كأن لم تثبت إدانته، وزال ما ران على أهليته من نقص، حتى استوت وربت مكانته القانونية، وعاد إلى المجتمع فردا كامل الحقوق.
---
المبدأ السابع: الامتناع عن المحو قرار إداري سلبي مخالف للقانون
إذا لم تبادر الجهة الإدارية إلى محو التسجيل الجنائي لمن رد إليه اعتباره، رغم عدم قيام سبب آخر يجيز القيد، فإن امتناعها يعد قرارا سلبيا مخالفا للقانون.
إذ القرار الإداري لا يقوم إلا على سبب، فإذا فقد سببه فقد كيانه، وغدا بقاؤه اعتداء على المشروعية، ومساسا بسمعة الفرد وحقه في طي صفحة ماضية انقضت آثارها.
---
المبدأ الثامن: توافر ركني الجدية والاستعجال في طلب وقف التنفيذ
لما كان استمرار إدراج القيد الجنائي فاقد السبب الصحيح يفضي إلى آثار يتعذر تداركها – من مساس بالسمعة وتعطيل للمصالح – فإن ركني الجدية والاستعجال يتوافران في طلب وقف التنفيذ.
فالجدية قائمة لرجحان إلغاء القرار، والاستعجال حاضر لما ينجم عن التنفيذ من ضرر داهم، حتى غدا الوقف صيانة للحق، لا منحة، وحراسة للمشروعية، لا استثناء.
---
خاتمة
هذه المبادئ الثمانية – على تساندها وتكاملها – ترسم خارطة واضحة لضوابط محو وشطب القيود الجنائية، فتربط بين انقضاء المدة، وسقوط العقوبة، ورد الاعتبار، وسلطة القضاء الإداري، ربط العروة بالعروة، حتى استوت منظومة متماسكة لا انفصام لها.
فهي تؤكد أن القيد الجنائي ليس قدرا مؤبدا، وأن المشروعية لا ترضى بقرار ران عليه فقد السبب، وأن العدالة إنما تتحقق حين يطوى الماضي بقوة القانون، ويعود الإنسان إلى أصل البراءة، نقيا من أثر زال سببه، ومن قيد دنا من العدم ثم اندثر.