يُعد العقد الركيزة الأساسية التي تقوم عليها المعاملات في القانون المدني، وهو لا ينعقد صحيحاً إلا بتوافر أركانه الأساسية، وعلى رأسها ركن "الرضاء". وقد حرص المشرع على حماية هذا الركن، وضمان صدوره عن إرادة حرة وواعية، خالية من أي عيوب قد تفسد سلامتها.
ومن أبرز هذه العيوب "التدليس"، الذي يمثل اعتداءً على حرية الإرادة عن طريق الخداع والتغرير. فالتدليس لا يقتصر على مجرد الأفعال المادية المضللة، بل يمتد ليشمل الكذب والكتمان المتعمد للحقائق الجوهرية، حينما يفرض القانون أو طبيعة المعاملة واجب المصارحة والصدق.
وإلى جانب سلامة الرضاء، يشترط القانون أيضاً لصحة الالتزام قيام العقد على "سبب" مشروع. فلا يكفي أن يرتضي المتعاقد الالتزام، بل يجب أن يكون الباعث الدافع له إلى التعاقد مشروعاً ومعتبراً في نظر القانون.
وقد تناولت نصوص القانون المدني هذه المبادئ بالتفصيل، حيث وضعت في المواد (151) وما بعدها، الأطر المنظمة للتدليس كسبب لإبطال العقد، كما بينت في المادة (176) أحكام "السبب" وأثره على بطلان العقد، وهو ما يهدف إلى تحقيق التوازن وحماية حسن النية في المعاملات.
أن النص في المادة (151) من القانون المدني على أنه: "يجوز طلب إبطال العقد للتدليس لمن جاء رضاؤه نتيجة حيل وجهت إليه بقصد تغريره ودفعه بذلك إلى التعاقد، إذا أثبت أنه ما كان يرتضي العقد نحو ما ارتضاه عليه لولا خديعته بتلك الحيل، وذلك مع مراعاة ما تقضي به المادتان 153 و154".
وفي المادة (152) من ذات القانون على أن: "يعتبر بمثابة الحيل المكونة للتدليس الكذب في الإدلاء المعلومات بوقائع التعاقد وملابساته أو السكوت عن ذكرها، إذا كان ذلك إخلالاً بواجب في الصدق أو المصارحة يفرضه القانون أو الاتفاق أو طبيعة المعاملة أو الثقة الخاصة التي يكون من شأن ظروف الحال أن تجعل للمدلس عليه الحق في أن يضعها فيمن غرر به".
وفي المادة (153) منه على أن:
يلزم لإبطال العقد على أساس التدليس أن تكون الحيل قد صدرت من المتعاقد الآخر أو من نائبه أو من أحد أتباعه أو ممن وسطه في إبرام العقد أو ممن يبرم العقد لمصلحته..."
بما مفاده -وحسبما ورد بالمذكرة الإيضاحية- أن قوام التدليس هو الحيلة التي توجه للمتعاقد بقصد تغريره وجعله يعتقد أمراً يخالف الواقع والحقيقة، وذلك بغية دفعه إلى ارتضاء التعاقد؛ فلا بد لقيام التدليس من التجاء المدلس إلى حيلة من الحيل، وأن يكون ذلك منه بقصد أن يضلل المتعاقد ويخدعه ليجعله يرتضي العقد. فالتدليس يقوم على قصد مزدوج من المدلس: قصد في الخديعة والتضليل، وقصد في دفع المضلل المخدوع إلى التعاقد.
وقد حرص المشرع على أن يتجنب اشتراط أن تبلغ الحيل قدراً من الجسامة بحيث تدفع المتعاقد إلى التعاقد، فالعبرة ليست بمدى ما تتسم به الحيلة من جسامة، وإنما بأثرها على المتعاقد بالنسبة إلى تضليله وجره بذلك إلى التعاقد.
فالمعيار هنا هو معيار شخصي قوامه المتعاقد ذاته، من حيث ما إذا كانت الحيلة أفلحت في تضليله أم لم تفلح، وليس معياراً مادياً يقوم على قدر ما تتسم به الحيلة ذاتها من جسامة. على أن الأمر لا يصل بطبيعة الحال إلى مستوى الحيلة إلا إذا انطوى على قدر معقول من الخداع والغش؛ فإن لم يكن كذلك فإنه لا يعتبر حيلة أصلاً، ولا يصلح بالتالي تدليساً من شأنه أن يصلح أساساً لإبطال العقد حتى لو ثبت أن المتعاقد قد انخدع به بالفعل؛ فمن ينخدع بالبسيط من الأمور هو في العادة من المفرطين في السذاجة، ولا يدخل في دور نظام التدليس أن يحمي أمثال هؤلاء.
كما حرص المشرع على أن يتمشى مع الفقه الإسلامي في التوسيع في الاعتداد بالكذب أو الكتمان باعتباره تدليساً من شأنه أن يبطل العقد، وجعله بمثابة الحيل التدليسية كلما جاء بمخالفة واجب خاص متميز في الصدق والمصارحة يفرضه القانون أو الاتفاق أو طبيعة المعاملة أو الثقة التي يكون من حق أحد الطرفين أن يضعها في الآخر على نحو ما تمليه ظروف التعاقد.
فإنه وإن كان الأصل في الحيلة التي هي أساس التدليس أن تقوم على أفعال مادية (وهو ما يسمى في الفقه الإسلامي بالتغرير الفعلي)، فإن المشرع قد حرص في المادة (152) سالفة البيان على أن يجعل في مقامها الكذب والكتمان كلما جاءا إخلالاً بواجب خاص في الصدق والمصارحة يفرضه القانون أو الاتفاق أو طبيعة المعاملة أو الثقة الخاصة التي يكون من شأن ظروف الحال أن تجعل للمدلس عليه الحق في أن يضعها فيمن غشه وغرر به (وهو ما يسمى في الفقه الإسلامي بالتغرير القولى).
وغني عن البيان أن الكذب في ذاته ومجرداً من أي اعتبار آخر لا ينهض دعامة كافية للتدليس المبطل للعقد برغم ما فيه من قبح ومجافاته للدين والأخلاق، إنما الكذب الذي يتدنى إلى مرتبة التدليس هو ذاك الذي يأتي بمخالفة واجب خاص يملي على الشخص الإحجام عنه غير مجرد الواجب الديني أو الأخلاقي، وهذا الواجب قد يأتي من القانون أو من الاتفاق أو من طبيعة المعاملة ذاتها التي تقتضي الالتزام الصارم بالصدق والمصارحة، أو حتى من الثقة التي يكون من شأن ظروف الحال وما ينبغي أن يقوم عليه التعاقد من اعتبارات حسن النية أن تجعل للمتعاقد المدلس عليه حقاً في أن يضعها فيمن خدعه وغرر به.
ويلزم لإعمال التدليس أن يكون هو الذي دفع المتعاقد إلى ارتضاء العقد بحيث أنه ما كان ليرتضيه من غيره، على أن كون التدليس هو الدافع إلى التعاقد، وإن كان يتضمن ما يدل على تعييب الرضاء، إلا أنه لا يكفي بمجرده وذاته لجعل العقد قابلاً للإبطال، وإنما يلزم إلى جانبه أن يكون التدليس متصلاً بالمتعاقد الآخر بأن يكون هو الذي لجأ بذات نفسه إلى الحيلة، أو لجأ إليها نائبه أو أحد أتباعه.
وكان النص في المادة (176) من القانون المدني على أنه:
1- يبطل العقد إذا التزم المتعاقد دون سبب أو لسبب غير مشروع.
2- ويعتد في السبب بالباعث المستحث الذي يدفع المتعاقد إلى التعاقد إذا كان المتعاقد الآخر يعلمه أو كان ينبغي عليه أن يعلمه.
مفاده أن المشرع يوجب أن يستند التزام المتعاقد إلى سبب، وأن يكون هذا السبب مشروعاً، وإلا فإن العقد يفتقد ركناً من الأركان التي ينبغي له أن يقوم عليها فيبطل، ولا يقصر المشرع سبب الالتزام على الغرض المباشر الأول الذي يسعى المتعاقد إلى تحقيقه من وراء ارتضائه التحمل بالالتزام، وإنما يشمل أيضاً الباعث المستحث الدافع إذا كان ملحوظاً في العقد، بأن كان المتعاقد الآخر يعلمه أو كان مفروضاً فيه أن يعلمه، وينظر إلى توافر هذا السبب ومشروعيته وقت انعقاد العقد.
(الطعن رقم 1544 لسنة 2014 (تجاري-1) – جلسة 11 مارس سنة 2015)